ابن قيم الجوزية

107

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

استقمت استقمنا ، وإن اعوججت اعوججنا . وأكثر ما يكبّ الناس على مناخرهم في النار حصائد ألسنتهم ، وكل ما يتلفظ به اللسان فإما أن يكون مما يرضي اللّه ورسوله أولا ، فإن كان كذلك فهو الراجح ، وإن لم يكن كذلك فهو المرجوح . وهذا بخلاف حركات سائر الجوارح ، فإن صاحبها ينتفع بتحريكها في المباح المستوي الطرفين ، لما له في ذلك من الراحة والمنفعة ، فأبيح له استعمالها فيما فيه منفعة له ، ولا مضرة عليه فيه في الآخرة ، وأما حركة اللسان بما لا ينتفع به فلا يكون إلا مضرة . فتأمله . فإن قيل : فقد يتحرك بما فيه منفعة دنيوية مباحة مستوية الطرفين . فيكون حكم حركته حكم ذلك الفعل . قيل : حركته بها عند الحاجة إليها راجحة ، وعند عدم الحاجة إليها مرجوحة لا تفيده . فتكون عليه لا له . فإن قيل : فإذا كان الفعل متساوي الطرفين كانت حركة اللسان الوسيلة إليه كذلك ، إذ الوسائل تابعة للمقصود في الحكم . قيل : لا يلزم ذلك . فقد يكون الشيء مباحا ، بل واجبا ، ووسيلته مكروهة كالوفاء بالطاعة المنذورة : هو واجب ، مع أن وسيلته ، وهو النذر مكروه منهي عنه ، وكذلك الحلف المكروه مرجوح ، مع وجوب الوفاء به أو الكفارة ، وكذلك سؤال الخلق عند الحاجة مكروه . ويباح له الانتفاع بما أخرجته له المسألة ، وهذا كثير جدا . فقد تكون الوسيلة متضمنة مفسدة تكره أو تحرم لأجلها ، وما جعلت وسيلة إليه ليس بحرام ولا مكروه . فصل وأما المعبودات الخمس على الجوارح : فعلى خمس وعشرين مرتبة أيضا : إذ الحواس خمسة . وعلى كل حاسة خمس عبوديات ، فعلى السمع : وجوب الإنصات ، والاستماع لما أوجبه اللّه ورسوله عليه ، من